يعد الغناء من أقدم الفنون التي عرفتها البشرية، فقد وجدت الدراسات الأثرية أن الحضارات القديمة استخدمت الموسيقى والإنشاد قبل أكثر من أربعة آلاف سنة قبل الميلاد، ولا سيما في بلاد الرافدين (العراق الحالي) ووادي النيل في مصر، حيث استُعملت الآلات الموسيقية في الاحتفالات والطقوس الدينية والمناسبات الاجتماعية. ثم انتقلت الموسيقى إلى الحضارتين اليونانية والرومانية، وأصبحت جزءًا من الحياة الثقافية، ومنها انتشرت إلى مناطق واسعة من العالم.
ومع ظهور الإسلام سنة 610م بنزول الوحي على النبي محمد ﷺ، جاء الدين الإسلامي بمنهج ينظم حياة الإنسان، ويوجه المسلم إلى ما ينفعه في دينه ودنياه. وقد ناقش العلماء حكم الغناء والمعازف، فذهب جمهور كبير منهم إلى تحريم المعازف، مستدلين بالقرآن الكريم والسنة النبوية، بينما فرّق بعض العلماء بين أنواع الغناء وظروفه، وهو من المسائل الفقهية التي وقع فيها خلاف معروف.
ومن أبرز الفنون التي ظهرت في التاريخ الإسلامي الموشحات الأندلسية، وقد نشأت في الأندلس (إسبانيا حاليًا) خلال القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، ويُنسب ظهورها إلى شعراء أندلسيين، ثم ازدهرت في قرطبة وإشبيلية وغرناطة. وكانت الموشحات تختلف عن القصيدة العربية التقليدية في أوزانها وألحانها، ثم انتقلت بعد سقوط الأندلس إلى بلاد الشام وشمال أفريقيا، وما زال بعضها يُؤدَّى إلى اليوم.
أما الموسيقى العربية فقد تطورت في العصرين الأموي والعباسي، وخاصة في دمشق ثم بغداد، حيث ظهر عدد من الموسيقيين واشتهرت المجالس الفنية. ومع مرور القرون انتشرت الموسيقى في مختلف البلدان الإسلامية، حتى أصبحت صناعة عالمية في العصر الحديث بفضل الإذاعة والتلفزيون والإنترنت.
وقد استدل جمهور العلماء على تحريم المعازف بقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان: 6]، ونقل عن عدد من الصحابة والتابعين أن "لهو الحديث" يشمل الغناء. كما استدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: 64]، وبقوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
ومن السنة النبوية استدل كثير من العلماء بحديث النبي ﷺ: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف»، وهو من أشهر الأحاديث التي استند إليها القائلون بتحريم المعازف.
وفي المقابل، اتفق العلماء على أن المسلم ينبغي أن يبتعد عن كل غناء يدعو إلى الفاحشة أو يصد عن ذكر الله أو يوقع في المعصية، وأن يجعل القرآن الكريم وذكر الله غذاءً لقلبه. فالقرآن يهذب النفس، ويقوي الإيمان، ويمنح الإنسان الطمأنينة التي لا يجدها في اللهو الدائم. ولهذا كان السلف الصالح يوصون بالمحافظة على تلاوة القرآن، لأن صلاح القلب يبدأ بالقرب من الله تعالى، ويكتمل بطاعته وترك ما يوقع في الشبهات والمعاصي.


