ليس كل صامتٍ لا يملك ما يقوله، فبعض الصمت حكاياتٌ كاملة، وبعض الكتمان صراخٌ لم يجد أذنًا تُنصت إليه. هناك أشياء نعجز عن شرحها، لا لأنها غامضة، بل لأن الكلمات أصغر من أن تحمل ثقل ما نشعر به.
الكتمان ليس ضعفًا كما يظن البعض، بل هو قرارٌ يتخذه الإنسان حين يدرك أن بعض الوجع لا يخف إذا رُوي، وأن بعض القلوب لا تُجيد سوى الإصغاء الفضولي، لا المواساة. فيختار أن يحمل ألمه بصمت، وأن يبتسم رغم الفوضى التي تسكن داخله.
كم من شخصٍ يضحك بين الناس، وفي داخله معركةٌ لا يعلم عنها أحد. وكم من قلبٍ يخفي انكساره خلف كلمة: "أنا بخير". ليس لأن الكذب يسهل عليه، بل لأنه تعب من شرح ما لا يُفهم، ومن انتظار يدٍ تمتد في الوقت المناسب.
ومع ذلك، ليس كل ما يُكتم يجب أن يبقى حبيسًا إلى الأبد. فالنفس أيضًا تحتاج إلى من يطمئنها، وإلى صدرٍ أمينٍ يخفف عنها ما أثقلها. فالكتمان يحفظ الكرامة أحيانًا، لكنه إن طال قد يُرهق القلب أكثر مما يحتمل.
لذلك، تعلّم أن تحفظ أسرارك، لكن لا تجعل الصمت سجنًا لروحك. فبعض الكلمات، حين تُقال لمن يستحق، تكون بدايةً للشفاء، لا دليلًا على الضعف.

