وسلبت مصيبة وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) عن ابنته فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين (عليها السلام) كل قرار واستقرار، وكل هدوء وسكون.
والسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) أعلم امرأة في الإسلام، وأعرف بعظمة نبي الإسلام.
فالزهراء تعرف عِظم المصاب، ومدى تأثير الواقعة في الموجودات كلها.
وهنا تحدثنا فضّة خادمة الزهراء عن الحزن المسيطر على السيدة فاطمة بسبب وفاة أبيها الرسول (صلى الله عليه وآله)، قالت:
لما توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) افتجع له الصغير والكبير، وكثر عليه البكاء، وعظُم رزؤه على الأقرباء والأصحاب والأولياء والأحباب، والغرباء والأنساب.
ولن تلقَ إلا كل باكٍ وباكية، ونادب ونادبة، ولم يكن في أهل الأرض والأصحاب والأقرباء والأحباب أشدّ حزنًا وأعظم بكاءً وانتحابًا من السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام).
وكان حزنها يتجدد ويزيد، وبكاؤها يشتد، فجلست سبعة أيام لا يهدأ لها أنين، ولا يسكن منها الحنين، وكل يوم كان بكاؤها أكثر من اليوم الذي قبله.
فلما كان اليوم الثامن أبدت ما كتمت من الحزن، فلم تطق صبرًا، إذ خرجت وصرخت، وضجّ الناس بالبكاء، فتبادرت النسوة، وأُطفئت المصابيح لكيلا تتبين وجوه النساء.
وكانت السيدة فاطمة تنادي وتندب أباها قائلة:
«وا أبتاه! واصفياه، وا محمداه! وا أبا القاسماه! وا ربيع الأرامل واليتامى!
مَن للقبلة والمصلّى؟
ومَن لابنتك الوالهة الثكلى؟»
ثم أقبلت تعثر في أذيالها، وهي لا تبصر شيئًا من عبرتها، ومن تواتر دمعتها، حتى دنت من قبر أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله).
فلما نظرت إلى الحجرة وقع طرفها على المئذنة، فأُغمي عليها، فتبادرت النسوة، فنضحن الماء عليها وعلى صدرها وجبينها حتى أفاقت.
فقامت وهي تقول:
«رُفعت قوتي، وخانني جلدي، وشمت بي عدوي، والكمد قاتلي.
يا أبتاه، بقيت والهةً وحيدة، وحيرانةً فريدة.
فقد انخمد صوتي، وانقطع ظهري، وتنغّص عيشي، وتكدّر دهري.
فما أجد ـ يا أبتاه ـ بعدك أنيسًا لوحشتي، ولا رادًّا لدمعتي، ولا معينًا لضعفي، فقد فني بعدك محكم التنزيل، ومهبط جبرئيل، ومحل ميكائيل.
انقلبت ـ بعدك ـ يا أبتاه الأسباب، وتغلّقت دوني الأبواب.
فأما الدنيا بعدك قالية، وعليك ما ترددت أنفاسي باكية.
لا ينفد شوقي إليك، ولا حزني عليك.»
ثم قالت:
«إنّ حزني عليك حزن جديد
وفؤادي والله صبّ عنيد
كل يوم يزيد فيه شجوني
واكتئابي عليك ليس يبيد
جلّ خطبي، فبان عني عزائي
فبكائي في كل وقت جديد
إن قلبًا عليك يألف صبرًا
أو عزاءً فإنه لجليد»
ثم نادت:
«يا أبتاه، انقطعت بك الدنيا بأنوارها، وذوت زهرتها وكانت ببهجتك زاهرة.
يا أبتاه! لا زلت آسفة عليك إلى التلاق.
يا أبتاه! زال غمضي منذ حقّ الفراق.
يا أبتاه! من للأرامل والمساكين؟
ومن للأمة إلى يوم الدين؟
يا أبتاه! أمسينا بعدك من المستضعفين!
يا أبتاه! أصبحت الناس عنا معرضين!
ولقد كنّا بك معظّمين في الناس غير مستضعفين!
فأي دمعة لفراقك لا تنهمل؟
وأي حزن بعدك لا يتصل؟
وأي جفن بعدك بالنوم يكتحل؟
وأنت ربيع الدين، ونور النبيين.
فكيف بالجبال لا تمور؟ وللبحار بعدك لا تغور؟
والأرض كيف لم تتزلزل؟
رُميتُ ـ يا أبتاه ـ بالخطب الجليل.
ولم تكن الرزية بالقليل.
وطُرقتُ ـ يا أبتاه ـ بالمصاب العظيم، وبالفادح المهول.
بكتك ـ يا أبتاه ـ الأملاك.
ووقفت الأفلاك.
فمنبرك بعدك مستوحش.
ومحرابك خالٍ من مناجاتك.
وقبرك فرحٌ بمواراتك.
والجنة مشتاقة إليك وإلى دعائك وصلاتك.
يا أبتاه، ما أعظم ظلمة مجالسك!!
فوا أسفاه عليك إلى أن أقدم عاجلًا عليك.
وأُثكل أبو الحسن المؤتمن، أبو ولديك الحسن والحسين وأخوك ووليك، وحبيبك، ومن ربيته صغيرًا وآخيته كبيرًا.
وأحلى أحبابك وأصحابك إليك، من كان منهم سابقًا ومهاجرًا وناصرًا.
والثكل شاملنا! والبكاء قاتلنا! والأسى لازمنا.»
ثم زفرت، وأنّت أنينًا يخدش القلوب، ثم قالت:
«قلَّ صبري وبان عني عزائي
بعد فقدي لخاتم الأنبياء
عين يا عين اسكبي الدمع سحًّا
ويكِ لا تبخلي بفيض الدماء
يا رسول الإله يا خيرة الله
وكهف الأيتام والضعفاء
قد بكتك الجبال والوحش جمعًا
والطير والأرض بعد بكي السماء
وبكاك الحجون والركن والمشعر
يا سيدي مع البطحاء
وبكاك المحراب والدرس للقرآن
في الصبح معلنًا والمساء
وبكاك الإسلام إذ صار في الناس
غريبًا من سائر الغرباء
لو ترى المنبر الذي كنت تعلوه
علاه الظلام بعد الضياء
يا إلهي عجّل وفاتي سريعًا
فقد عفتُ الحياة يا مولائي»
ثم أخذت فاطمة الزهراء (عليها السلام) شيئًا من تراب قبر أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وجعلت تشمّه وهي تقول:
«ماذا على من شمّ تربة أحمد
أن لا يشمّ مدى الزمان غواليا
قل للمغيّب تحت أطباق الثرى
إن كنت تسمع صرختي وندائيا
صُبّت عليَّ مصائب لو أنها
صُبّت على الأيام صرن لياليا
قد كنت ذات حمى بظل محمد
لا أخش من ضيم وكان حمىً ليا
فاليوم أخضع للذليل وأتقي
ضيمي وأدفع ظالمي بردائيا
فإذا بكت قمرية في ليلها
شجنًا على غصن بكيت صباحيا
فلأجعلن الحزن بعدك مؤنسي
ولأجعلن الدمع فيك وشاحيا»
وروى زيني دحلان في السيرة النبوية هذه الأبيات لها في رثاء أبيها بعد دفنه (صلى الله عليه وآله):
«اغبرَّ آفاق السماء وكوّرت
شمس النهار وأظلم العصران
والأرض من بعد النبي كئيبة
أسفةٌ عليه كثيرة الرجفان
فليبكه شرق البلاد وغربها
وليبكه مضرٌ وكل يماني
وليبكه الطود المعظم جوّه
والبيت ذو الأستار والأركان
يا خاتم الرسل المبارك ضوؤه
صلّى عليك منزّل القرآن»
ثم رجعت إلى منزلها، وأخذت بالبكاء والعويل، وكانت (سلام الله عليها) معصبة الرأس، ناحلة الجسم، منهدّة الركن، باكية العين، محترقة القلب، يغشى عليها ساعة بعد ساعة.
وكانت تقول لولديها:
«أين أبوكما الذي كان يكرمكما ويحملكما مرة بعد مرة؟
أين أبوكما الذي كان أشد الناس شفقة عليكما، فلا يدعكما تمشيان على الأرض؟
لا أراه يفتح هذا الباب أبدًا، ولا يحملكما على عاتقه، كما لم يزل يفعل بكما!!»
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام):
«غسلت النبي (صلى الله عليه وآله) في قميصه، فكانت فاطمة تقول: أرني القميص. فإذا شمّته غشي عليها. فلما رأيت ذلك غيّبته.»

